كمال شاتيلا في حوار مع إذاعة صوت بيروت:
الأشرف للحكومة أن تستقيل بسبب عجزها عن حل مشاكل الشعب
نخشى أن يؤدي الخلاف بين أطراف الطبقة الحاكمة إلى تضييع ثروة لبنان النفطية
أين الحماية الغربية للشواطىء اللبنانية من السرقة الإسرائيلية لمواردنا؟
كيف يحضر الرؤساء الثلاثة حفل إفتتاح فندق ضخم للأثرياء ويتجاهلون أنين الفقراء؟
لا خوف على الوجود المسيحي في لبنان إلا من إسرائيل والقوات اللبنانية والدعوات لعودة صلاحيات المندوب السامي لرئيس الجمهورية
الموقف الأميركي في لبنان لم يتغير كأهداف.. ربما حصل تغيير في الأساليب
من المعيب أن يبقى التطبيع بين دول عربية وإسرائيل ويرى المواطن العربي مقاطعة أجنبية شعبية للكيان الصهيوني
الإحتلال الاميركي في مأزق متصاعد في أفغانستان.. ومنظمة المؤتمر الإسلامي مطالبة بحل مشكلة هذا البلد
أجرت إذاعة "صوت بيروت ولبنان الواحد" بتاريخ 26 حزيران 2010 حواراً مع رئيس المؤتمر الشعبي اللبناني كمال شاتيلا حول الثروة النفطية والآداء الإقتصادي والمعيشي للحكومة والمناشير الطائفية في صيدا والأوضاع في أفغانستان والتضامن العالمي مع فلسطين..و في ما يلي نص الحوار:
* ماذا على المسؤولين في لبنان أن يفعلوا حتى لا يضيع حق لبنان بالثروة النفطية في مياهه الاقليمية؟
- أول مسألة تثار في موضوع اكتشاف النفط في الشواطىء اللبنانية هي أن القوات متعددة الجنسية تنتشر على طول الحدود اللبنانية البحرية، ومن المفروض على هذه السفن الحربية التابعة للأ ساطيل الغربية والموجودة في شواطىء لبنان بعد صدور القرار 1701 على إثر العدوان الصهيوني عام 2006، أن تكون معنية أيضاً بحماية الشاطىء اللبناني، فكيف تتجرأ شركة أميركية توكل إليها إسرائيل مهمة التنقيب عن النفط والغاز على حدودنا المائية مع فلسطين المحتلة وبدون مراجعة لبنان، فاذا سلم لبنان الرسمي بالحماية الغربية وبالتواجد الغربي على شواطئه، كيف تقبل هذه الدول الغربية ان تكون شاهد زور على سرقة اسرائيل ثروة لبنان النفطية أو الغازية؟ إذاً، أول أمر يجب أن تقوم به الحكومة اللبنانية هو رفع شكوى في مجلس الأمن ضد الشركات الأميركية المولجة باستكشاف واستخراج النفط على حدودنا مع فلسطين المحتلة، فقبل أن تهددنا إسرائيل علينا أن نسأل الغرب وفق القرار 1701 ماذا فعلتم أيها الغربيون لحماية الثروة البحرية للبنان؟
وعلى المستوى الداخلي، هناك خلاف على من يتولى ادارة الموضوع النفطي في لبنان استكشافاً واستخراجاً ومن ثم تجميع ثروة النفط. نحن نخشى أن تتكرر تجربة إهدار مياه الليطاني بسبب الخلاف الذي وقع في الستينيات بين الامام المغيب موسى الصدر وبين ورئيس مجلس النواب حينها كامل الاسعد حول قضية الاستفادة من مياه الليطاني بمنسوب الـ 600 مليون متر مكعب أو الـ 800 مليون متر مكعب، وبقي هذا الخلاف ما يزيد عن عشر سنوات الى أن إستولت اسرائيل على القسم الأكبر من المياه الجنوبية ولم يستفد لبنان لا من منسوب الـ 600 ولا الـ 800، مع العلم أن وجهة نظر الإمام المغيب برأي الخبراء كانت الأسلم.
هذا الماضي يجب أن نستخرج منه درساً بأن الخلاف الداخلي اللبناني على أي ثروة يؤدي الى هدر هذه الثروة وإستيلاء العدو عليها، فكما استولت اسرائيل في الستينيات على ثروتنا المائية نتيجة خلاف داخلي، اليوم هناك خلاف على من يدير ويتولى الموضوع! وهنا لا نريد أن نتهم أحداً بشكل مباشر دون أن نحصل على أدلة، لكن الرأي العام اللبناني يتحدث بأن الخلاف بين الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان سببه أن كلاً منهم لديه شركات صديقة يريد أن تتولى التنقيب واستخراج النفط! أي ان مصالح السياسيين تتضارب وأحياناً تتلاقى. ومهما كان موضوع الخلاف، يجب حسم من يدير ملف النفط في لبنان، ولا بد من إستشارة الخبراء المختصين، لكن بطبيعة الحال يجب أن تكون الإدارة من الدولة وتحت رقابة وتفتيش ومحاسبة دقيقة وإنشاء صندوق مستقل.
من ناحية أخرى هناك من يقول إن إستثمار النفط سوف يسد العجز والمديونية اللبنانية، ولنا في هذا رأي آخر، لأن موضوع سد العجز والمديونية يعود الى من سيتولى إدارة الثروة، فاذا أديرت من جهة أهدرت الوطنية سابقاً فلن يستفيد لبنان ولن تحل أزماته الاجتماعية، وهذه مشكلة كبيرة، فمثلاً في موازنة العام 2010، هناك تفكير بإعادة دمج مجالس الهدر المالي حسب تعبير تقارير هيئات التفتيش المركزي منذ عام 1992، أي مجالس الاعمار والجنوب والمهجرين وحتى البنك المركزي وكل هؤلاء خارج رقابة التفتيش المركزي، فعندما كانت تقرر الموازنات لم نسمع أحداً من مجلس النواب أو مجلس الوزراء يدعو الى مراجعة تقارير التفتيش المركزي منذ 1992 حول هذه المجالس، فالعبرة بمراجعة التقارير قبل ان نحكم على هذه المجالس إن كانت بريئة أم لا!! ومن حق الشعب ان يحاسبهم اذا ما أدينوا. من هنا الخوف أن تتكرر المسألة نفسها في موضوع النفط!! فإذا ما أنشىء مجلس للنفط مثيل لهذه المجالس التي خرجت عن الرقابة والتفتيش ودخلت بالمحاصصات، فلن يستفيد لبنان من هذه الثروة، بل ستستفيد الطبقة السياسية.
لذلك وقبل كل شيء نريد أن نعرف من المسؤول عن إدارة الملف النفطي ومن سيرفع دعوى ضد إسرائيل في مجلس الأمن إذا ما أغتصبت حقنا، وإذا لم تُقرر هذه الادارة سوف تستمر الشركات الاميركية باستثمار النفط لمصلحة اسرائيل وتكون ثروتنا قد ضاعت واغتصبت!! وبدليل ان قوات متعددة الجنسيات ساكتة عن الموضوع، ولم يصدر عنها أي تصريح يرد على اسرائيل ويظهرها معتدية على المياه الاقليمية اللبنانية!! عملياً لبنان موضوع تحت وصاية دولية، ويستطيع ممثل الأمم المتحدة أن يرد على اسرائيل بتقاريره التي يقدمها حول القرار 1701 ويقول إن إسرائيل تعتدي على الحدود البحرية اللبنانية.. وفي الخلاصة فإن الصراع داخل أطراف السلطة في لبنان مرشح لتضييع ثروتنا النفطية.
* ماذا عن آداء الحكومة على صعيد القضايا المعيشية للمواطن؟
- حتى الآن الحكومة هي التي تنطق عن نفسها بأنها لم تولِ القضايا الاجتماعية والاقتصادية الاهتمام اللازم بما فيها قضايا الصحة والتعليم، أي انه حتى الآن لم تفعل الحكومة اي شيء حيال الوضع الصحي والمستشفيات والضمان الاجتماعي والازمات الخانقة التي تعتري لبنان، ولم تقدم اية حلول بالموضوع التربوي والمدرسة الوطنية والجامعة الوطنية، كما أن الزراعة لم تزل شبه ميتة ومهملة تماماً وليس هناك إستثمار زراعي أو أي جهد فعلي زراعي، فنحن نستورد حوالي 80 بالمئة من المواد الزراعية، حتى الصناعة التي فيها إغراق للبضائع الاجنبية لا توجد أية حماية وطنية للصناعة، بل دائماً يدخلون لبنان باتفاقات تزيل الحواجز الجمركية مما لا يتيح المنافسة الوطنية الصناعية مع البضائع الاجنبية، إذن ليس هناك حماية للصناعة او الزراعة الوطنية.
كل شيء في لبنان محل إهمال الطبقة الحاكمة، ليس لدينا مياه نظيفة، ليس لدينا كهرباء، بالاضافة الى ان المواطن يصرف على مجموع ما يستخدم من طاقة إن كان كهرباء، تنقلات، غاز، بنزين سيارة، مازوت للتدفئة..الخ فإن المواطن يدفع أكثر من نصف دخله على الطاقة، وهذا ما يجعله في حالة عوز.
إننا نسأل: لماذا تتواجد شركات خاصة للطاقة؟ كانت الدولة تستورد بالسابق وتربح، فلماذا خصخصت الطاقة وذهبت الارباح للشركات، ومن هو المستفيد من هذه الشركات؟ كل ذلك مهمل من هذه الحكومة الحالية.
وعندما نراجع الموازنة، لا نجد اي بند أو كلمة عن الاملاك البحرية والمائية والبرية للدولة، ولم يأخذوا أي ايجار من واضعي اليد على هذه الاملاك، ولم يستردوا الاملاك للدولة!! هذه الطبقة السياسية التي تملكت غصباً واحتيالاً وضد القانون ممتلكات بحرية، وهي متروكة لتجني ثروة بملايين الدولارات، والخزينة فارغة، ورغم ذلك يشتكون من أنهم يضطرون للدين، والأنكى من ذلك انه ورد بالموازنة ان الدين مفتوح، فيما بعض النواب يقول إنه يجب تحديد حدود للدين حين لا نقع بعجز، وللاسف اتفقوا في آخر الامر على ان يكون الدين مفتوحاً وليس له حدود. فمن أين سيأتون بأربعة مليارات ونصف المليار دولار فوائد للدين؟ الآن الدين حوالي 60 مليار دولار، فكم سيصل بعد خمس سنوات؟ ومن أين سنسد هذه المبالغ؟ لا توجد خطط انتاجية في الموازنة بل هي تكرار لموازنات من العام 1992 الى يومنا هذا، موازنات ماركنتيلية، اقتصاد وحشي، لا ضرائب على العقارات التي ارتفعت بنسبة 5000 بالمئة، وليس هناك ضرائب على أموال القروض اتي تجبيها المصارف، وأعفيت الشركات العقارية الكبرى، وأعفيت المصارف، وهناك توجه في موازنة العام 2010 لإجراء خفوضات هائلة للضرائب على المصارف والشركات العقارية لأن المستفيد هو من يحكم البلد من المصارف والشركات العقارية.
ولو أخذنا مثلاً النقاش على قانون الايجارات، والاسعار المرتفعة على ثمن الشقق، فالمشروع هو تكبير سوليدير لتهجير كل أهل بيروت لتكون بيروت بمجملها ملكاً للاجانب، وهذا ما يحصل عملياً، فالبيروتي الموظف او العامل أو أي من الطبقة المتوسطة لا يستطيع ان يشتري شقة، فثمن الشقة يتجاوز الـ 300 ألف دولار، كما ان العقارات ارتفعت اسعارها على مستوى لبنان ايضاً، ولو وضعوا قانوناً ضريبياً على العقارات فإنه سيكون بسيطاً وهزيلاً لأن الطبقة السياسية الحاكمة مستفيدة من الشركات العقارية ومستفيدة من المصارف بأن تبقى بلا رقابة واضحة وبلا ضرائب تذكر، هنا نجد أنه لا يمكن إعمار الخزينة وتسديد فوائد الدين.
لقد كان من المهم لو أن الرؤساء الثلاثة زاروا محيط بيروت كخلدة أو اي مكان آخر، لافتتاح 1000 شقة كمساكن شعبية للفقراء، فهذا الأمر يقربهم من الناس ومن مشاكلهم، لكنهم للأسف لا يفعلون ذلك بل يذهبون جميعاً لإفتتاح فندق الفورسيزينز، ولا يجدون وقتاً كافياً لمعالجة مشكلة الماء، التلوث، الكهرباء!! هل من المعقول أن يقوم هؤلاء الرؤساء الثلاثة بحضور حفل إفتتاح فندق فخم لكبار الأثرياء ويتناسون آلاف المشاكل لشعبهم وأنين الفقراء والمرضى والبؤساء. ثم إن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بسفر دائم، وهذا السفر الدائم لم ينتج للبنان شيئاً مفيداً على الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي والزراعي والاجتماعي والصحي، لم نسمع ان أحدهما قد زار أي دولة وجلب لنا معدات لمستشفى مثلاً او مصنع او معمل او مزرعة!! رغم ان نفقات السفر هائلة، وبعض الخبراء الاقتصاديين يقولون لو خففوا السفر يمكن توفير ميزانية كاملة تبلغ ملايين الدولارات. والسفر تعدى الرئيسين الى الوزراء حتى ان الأمر بلغ أشده حين لم نجد وزراء في إجتماع الحكومة حيث كان الكثير منهم على سفر، ورئيس الوزارة يسافر بالاسبوع لمدة ستة أيام ويحضر في اليوم السابع وهكذا دواليك.
إذن عملياً يمكن اعتبار هؤلاء قد قدموا إستقالتهم من ادارة مصالح الناس وخدمة الناس، والأشرف ان يستقيلوا رسمياً. فكل هذه الزيارت الرسمية وباسم لبنان لم يستفد منها لبنان على الاطلاق، فهناك ثلاث زيارات إلى اميركا ولم نستطع الحصول على أي صاروخ للدفاع الجوي لصالح الجيش اللبناني. ومؤتمرا باريس 2و 3 ركّبا على لبنان ديوناً بحجة مساعدة لبنان، أعطونا ديوناً طويلة الأجل لتسديد ديون قصيرة الأجل ويفيض القليل لسد عجز يسير في الموازنة.
من هم أعضاء مؤتمر باريس؟ اليس معظمهم من أوروبا وأميركا وهؤلاء هم الذين كانوا مسؤولين عن العدوان الاسرائيلي ومساندته عام 2006، وكان لبنان تحت حمايتهم وتحت حماية القرارات الدولية؟ أي انهم كانوا مشاركين في العدوان علينا وفي تحطيم البنية التحتية بواسطة اسرائيل، فخسرنا على الاقل 3 مليار دولار، وهؤلاء يعرفون ان لبنان عاجز وخزينته مفلسة، كما ان أعضاء مؤتمر باريس أطلسيون اوروبيون وامريكان زارهم الرئيسان سليمان والحريري عدة مرات ولم تنتج هذه الزيارات أي اعفاء من جزء من الدين، إذاً هذه الزيارات لا فائدة منها سوى الاستعراض الشكلي لذلك يجب ان تتوقف درءاً للهدر!
* ما تعليقكم على توزيع المناشير الطائفية في صيدا، وما ذكرته صحيفة وورلد تريبيون من ان موزعي المناشير هم من القاعدة وموجودون في مخيم عين الحلوة وان المسيحيين يتعرضون للمضايقات عندنا؟
- لقد هدأت والحمد لله المشاكل ذات الطابع المذهبي، لدرجة بتقديرنا انه من الصعب حتى لو جاءت قوى كبيرة للعب بالفتنة المذهبية من الصعب اثارة مشاكل مذهبية الآن. وطائفياً بين المسلمين والمسيحيين لا مشكلة وليس هناك مناخ لصراع اسلامي مسيحي أو حتى صراع سياسي يمكن ان يتحول لصراع مسلح، لا شيء يهدد المسيحيين في لبنان سوى اسرائيل وأطماع اسرائيل، وعدوان اسرائيلي على المسيحيين وعلى غير المسيحيين، كما حصل بالعراق، فالعدوان الاميركي واحتلال العراق ضرب مسلمين وضرب مسيحيين في آن واحد.
لقد قال لنا مقربون في صيدا، انه ومنذ حوالي سنة وزعت القوات اللبنانية مناشير حتى يخاف المسيحي، ويلجأ الى القوات لحمايته، لأن القوات تعاني ولا تجد محاربين مسيحيين كما كانت تجد في حرب 1975، إذن من مصلحة القوات إثارة المسيحي وتخويفه لإدعاء حمايته، لذلك نشك بطابع المناشير، وآخر ما يمكن الشك فيه هو التطرف، لأن التطرف بلبنان مع كل عوامل الخارج لتشجيعه ليس له مجال!! فرغم كل ما قيل عن الشمال بأن طرابلس وعكار وغيرها سوف تكون مركزاً للقاعدة، وفي إحدى المرات طالب رئيس المخابرات الاميركية بالكونغرس بإستدراك لبنان لأن سنة التطرف يغزون الشمال ويقيمون قاعدة، فلو أخذنا الانتخابات البلدية الاخيرة فهي نموذج لأنه ترشح عشرات المتطرفين في طرابلس وسير الضنية وعكار وفشلوا، وهناك قسم منهم لم يحاول حتى الترشح حتى لا يتعرضوا للفشل، حتى باب التبانة التي كانوا يدعون انها تحت حكمهم لم ينجح لهم أحد، فإذا كان هناك جو تطرف يتحدثون عنه بالشمال او بصيدا كان بالاحرى ان يظهر بالبلديات والمخاتير خاصة انهم لم يقاطعوا بل ترشحوا بكثافة ولكن باؤوا بالفشل، نحن لا ننفي وجودهم بالمطلق، انما هناك بعض الخلايا النائمة والأخرى المتناثرة ولكن غير قادرة أن تفعل أية إثارة طائفية.
* كيف تصفون مخاوف بعض المسيحيين كما عبّر بعضهم؟
- لبنان منذ عام 1943 حكمته طبقة بورجوازية عليا من المارونية السياسية إلى العام 1989 وإنفردت بالسلطة والثروة معاً ضد أغلبية الشعب، وأدت هذه التجربة الى صراع مسيحي – مسيحي وصراع ماروني – ماروني كما حصل بين القوات وعون والقوات وغيرها وصراع طائفي اسلامي – مسيحي على هامشه، وإنتهت التجربة إلى تضاؤل نفوذ المارونية السياسية من خلال إتفاق الطائف لحل المشكلة اللبنانية.
بعد ذلك اكتشف المسيحيون إنهم أصبحوا أقلية عددية، ورغم ذلك لم تظهر أصوات اسلامية تطالب بحكم اسلامي في لبنان، ولم تصدر أصوات اسلامية معتبرة تقول ان الديمقراطية تعني سيادة الاكثرية العددية، بل دعا الجميع إلى حكم المناصفة، وتخلى المسلمون عن حق الديمقراطية العددية لمصلحة العيش الاسلامي – المسيحي على أساس المناصفة والمساواة، وبناء على ذلك فإن رئيس الجمهورية وقائد الجيش لم يزالا موارنة، أي هناك مناصفة بين المسلمين والمسيحيين رغم ان المسيحي اصبح عددياً الربع في لبنان، والمسلم ساكت عملياً عن حقه ورفض أن يفعل كما فعلت المارونية السياسية قبل الحرب وإن كان المسلمون أغلبية عددية.
هناك من يحرض بالخارج، لأن الخارج الغربي وجد بالممارسة انه وخلال السنوات الخمس الماضية هناك استحالة لتحويل الطائفة السنية الى مشروع غربي انعزالي، وبالنهاية فشلت هذه التجربة، فأعيد التركيز غربياً وبخاصة أميركياً على قسم متطرف من الموارنة يتولى إستكمال المشروع الغربي في لبنان، هكذا نفسر زيارات رئيس القوات اللبنانية الى دول عربية وعواصم اجنبية واثارة قضايا طائفية او إعادة النعرة العنصرية الطائفية ضد الفلسطينيين تارة وضد السوريين تارة أخرى وضد المسلمين مرات عدة، وهناك فرقاء مسيحيون يطالبون باسترداد صلاحية رئيس الجمهورية الماروني التي كانت أيام المفوض الفرنسي ايام الانتداب، وهذا أمر مستحيل، ليس فقط دستورياً وسياسياً، لانه عندما يظهر هذا التطرف المسيحي سوف يقابله لاحقاً تطرف اسلامي، ونحن نحذر.
فعندما يكون التطرف المسيحي ضد الحقوق المدنية للفلسطينيين، وضد صلاحية رئيس الحكومة ويطالب بأن تكون سلطات رئيس الجمهورية كما كانت في عهد الفرنسيين، هذا معناه اعادة بدايات الحرب والمشاكل والمصائب التي كانت بالبلد في حالة غياب العدالة والمساواة بين الطوائف، وحكماً هذا سيظهر ردة فعل إسلامية متطرفة، وهذه المرة لن يسلم أحد من خطورة هذه المسألة، لانه سوف يتقدم قسم من المسلمين ليقول "قفوا مكانكم ايها الموارنة نريد الحكم لنا لأننا نحن الاغلبية العددية ولن نرضى بأي أمر آخر"، لذلك نحن ننصح كل الحكماء المسيحيين والواعين بالاستفادة من دروس حرب العام 1975 – 1989 والاستفادة من اجواء الوفاق في لبنان، ومن الدستور الحالي الذي ينص على المساواة المسيحيية الاسلامية والعمل على تطبيقه تطبيقاً أميناً وسليماً بدل اللجوء الى مشاريع قبل الطائف او بعد الطائف تؤدي الى فيديرالية أو كونفديرالية تقسيم، لأن هناك استحالة لحكم اي طائفة منفردة في لبنان، والتجارب دلت على ذلك، فلا تستطيع الطائفية المارونية أن تستعيد ما يسمى حكم لبنان في مواجهة المسلمين ولا يمكن للشيعة في لبنان ان يستأثروا طائفياً بحكم لبنان حتى لو امتلكوا قنابل ذرية على بقية الطوائف بعدما رأينا تجربة المارونية السياسية، ولا السنة يستطيعون الانفراد بحكم لبنان بمعزل عن الشيعة والمسيحيين والدروز، موضوع أن طائفة تسيطر أو مذهب يسيطر على مقدرات لبنان ويجعل من الآخرين صفاً ثانياً هو مشروع مستحيل وإنتحار لمن يقدم عليه وللبلد كله.
الخلاصة في لبنان الطوائف متساوية، المذاهب متساوية، ودستور الطائف حفظ هذه المساواة، ولدينا حيز من الديمقراطية، ولا نعتبر أن لدينا ديمقراطية سليمة، بل تنقصنا مؤسسات دستورية وان يكون لدينا سلطة قضائية مستقلة، ومجلس نيابي حقيقي وقانون انتخابات يعبر عن الشعب. هذا ما يحسّن أوضاعنا، اما العبث بالدستور حتى تستحوذ طائفة أكثر من الاخرى، فهذا مشروع جديد لتدخل اجنبي في البلد.
* برأيكم أي سياسة أميركية تنفذ في لبنان؟ هل هي سياسة جديدة للديمقراطيين برئاسة أوباما ام هي إستمرار لنهج الجمهوريين وبخاصة المحافظين الجدد؟
- الموقف الأميركي في لبنان لم يتغير كأهداف، ربما حصل تغيير في الأساليب الأميركية تجاه لبنان، لكن من الملاحظ أنه حتى مع تدهور المشروع الإمبراطوري الاميركي فإن الرئيس اوباما أبقى على عدد من المسؤولين التابعين للحزب الجمهوري أيام حقبة بوش حقبة المحافظين الجدد المغامرين، فمثلاً روبرت غيتس وزير الدفاع ثبته أوباما حيث كان في حقبة بوش، وفيلتمان في لبنان كان سفيراً وأصبح نائب وزير الخارجية وهو تابع للمحافظين الجدد، لم نشعر أنه تمّ تغيير السياسة الامريكية في لبنان، لأننا نلاحظ نهج التدخل نفسه للسفيرة الأميركية في لبنان، فهي تزور قوى الأمن الداخلي ووزارات وإدارات ويصدر عنها إرشادات. حتى فيلتمان حينما تحدث بالكونغرس الاميركي عن أن أميركا دفعت بآخر سنة نصف مليار دولار لمؤسسات وجمعيات وأحزاب وسياسيين في لبنان فإن هذا الامر لم يتوقف، فالمال لم يزل يدفع لأحزاب ومؤسسات وشخصيات ورجال إعلام في لبنان. عندما قال فيلتمان إن الاميركيين دفعوا نصف مليار دولار، لم نجد نواباً او إعلاميين لبنانيين نفوا هذا الموضوع، فهناك قسم من 14 آذار يجب أن يوضح إنهم يحبون اميركا ولكن لم يأخذوا مالاً على سبيل المثال، لكن لم تحصل أي ردود فعل تنفي، وهذا يدل ليس فقط على أنهم متورطون، بل على أن السياسة الاميركية نفسها مستمرة، فهناك إلحاح على ترسيم الحدود اللبنانية السورية وأن لا تتحسن العلاقات بن البلدين أو تنفذ الاتفاقات ووياخذ المجلس الأعلى دوره، بل يريدون تطبيع العلاقات فقط، ويطلبون أن يتقارب لبنان مع اسرائيل، وأن يتخلص لبنان من المقاومة دون أن يقوى الجيش اللبناني أو يكون لديه أسلحة هجومية أو طائرات حربية أو أسلحة دفاع جوي فعالة، لم يحصل اي تغيير فعلي بالسياسة الأميركية في لبنان الذي لا يجب أن يكون عربياً بل أطلسيا ومحطة نفوذ أميركي، كما يريدون.
هذا المشروع الأميركي لم يتغير في لبنان، فعندما يصبح فيلتمان نائب وزير خارجية فإنه يثبت سياسته عملياً، لكنهم غير قادرين على خوض المرحلة كما خاضوها أيام بوش في لبنان وأيام رايس حينما قالت خلال الدم والدمار بالعدوان الاسرائيلي: "إنه يولد الآن الشرق الأوسط الجديد" وهذا يعني تقسيم لبنان وتقسيم سوريا وسبع دول عربية، هذا المشروع أصبح بعيد المنال وغير قادرين على أن يفعّلوا هذا المشروع عن عجز وعدم قدرة، أما الفكرة فلا زالت موجودة، وعلى الحكام في لبنان ان يتعظوا بأن امريكا وراء اسرائيل وامريكا لا تفضل لبنان على اسرائيل واميركا لا تريد مصلحة لبنان، ولا نستطيع في لبنان إلا أن نعتمد على أنفسنا وإخواننا العرب وعلى وحدتنا الوطنية اللبنانية لنستطيع الدفاع عن نفسنا، ولم نستفد من الامريكان اقتصادياً أو اجتماعياً او دفاعياً، ولم يحمونا رغم أن لبنان الرسمي ولأكثر من خمس سنوات ماشى الغرب وكان تحت مظلته.
* ما هي دلالة إقالة القوات الاميركية وحلف الاطلسي في افغانستان الجنرال ستانلي ماكرستال؟
- هي تأتي في سياق تدهور المشروع الاميركي وفشله بالبقاء على الاحتلال الاميركي في العراق والابقاء على القوات الاميركية الاطلسية في افغانستان. أول إحتلال أميركي في الشرق الاوسط كان لافغانستان وقد ضربوها بقوة رهيبة تعادل قنبلة ذرية تقريباً عندما اقتحموها وحطموا نظام طالبان وانفردوا بها، انما لم ينجحوا بافغانستان كما فشلوا ايضاً بالعراق! ونجد ان قائد الجيش الامريكي بافغانستان يسخر من رئيس الجمهورية الاميركية، هو يتحدث عن أزمة، لأن المصاعب التي يرونها وزيادة عدد القتلى من القوات الأمريكية والبريطانية في افغانستان والمقاومة الافغانية لأن المقاومة هناك لا تحصر بطالبان كما يقول الامريكان، بل هناك مثلاً مقاومة الحزب الاسلامي، حكمت يار، وقوى بشتونية هائلة تقاتل الامريكان ليس لها علاقة بطالبان، فالامريكي ليبرر عدوانه يحصر الموضوع دائماً بأنه يحارب الارهاب وبن لادن وطالبان، وهذا الامر غير صحيح لأن ما يحصل في افغانستان هو مقاومة شعبية، وعندما سيطر الأميركان على الحكم نصبوا الطاجيك والهزّارة والاوزبك وهي اقليات بغض النظر من أن لها الحق بالمشاركة بالحكم، وأبعدوا تقريباً 85 بالمئة من شعب افغانستان الذي ينتمي الى البشتون، نصبوا من البشتون فقط رئيس الجمهورية كارزاي، ولكن البشتون كانوا خارج الحكم بالاضافة الى طالبان، اي ان اغلبية الشعب خارج السلطة، فهل المطلوب من هذا الشعب ان يبقى ساكتاً ويتفرج على الأميركان؟ هم يقاومون الاحتلال، ممكن أن يكون أبرز فريق بالمقاومة هو طالبان، بحكم أن طالبان من البشتون، ولكن القومية الافغانية القائمة على العمود الفقري البشتوني مع عناصر من الاقليات الاخرى أيضاً تقاوم الاحتلال الاميركي بوصفه احتلالاً كما قاوموا السوفيات من قبل، فمهما بدل الامريكيون من قادة لن يستطيعوا أن ينجحوا في احتلال شعب تمكن من طرد بريطانيا منذ قرنين، فبريطانيا التي احتلت الهند عجزت عن احتلال افغانستان، ولن يستطيع الاميركيون الخفاظ على إحتلال أفغانستان، فعندما وصل أوباما رأى ان يتخلى عن العراق والتركيز على افغانستان وأرسل قوات اضافية عدة مرات الى افغانستان، وتفسيرنا لهذه التراجعات أن هناك مأزقاً حقيقياً أميركياً في أفغانستان. إنهم في حيرة من أن يبقوا ويتكبدوا خسائر هائلة مادية وبشرية، وغير قادرين على الخروج خوفاً من أن يقام حكم متطرف أو حرب باكستانية هندية افغانية.
أمام هكذا وضع لا بد من منظمة المؤتمر الاسلامي العالمي أن تتقدم بمبادرات من اجل حل مشكلة أفغانستان، والعجب من أن هذه المنظمة التي تمثل مليار مسلم متخلية عن افغانستان وهي بنهاية الأمر بلد إسلامي. العرب والمسلمون الآخرون يفترض ان يتقدموا بمشروع مبادرة لحل مشكلة افغانستان، حتى الشعب يحكم نفسه بنفسه، ويمكن أن توضع طريقة ما لتفادي التخوف من أن تتحول افغانستان الى دولة تطرف، إنما لا بد من مبادرات إسلامية لحل مشكلة افغانستان، وأميركا لن تفلح على الاطلاق في النجاح بالبقاء او إحتواء ازمة افغانستان!
* بماذا تعلقون على إمتناع حوالي 1500 من عمال تفريغ السفن بالسويد عن تفريغ البضائع الاسرائيلية تضامناً مع غزة واستنكاراً للعدوان الاسرائيلي على اسطول الحرية؟
- هو خبر مفرح وجزء من سلسلة تحركات عند أحرار الغرب المتحررين من النفوذ الصهيوني او من النظرة العنصرية للأمور، فيشعر المرء انه فعلاً يوجد ببريطاينا جامعات تقاطع الجامعات الاسرائيلية وبفرنسا هناك أصوات قوية، ولاحظنا بالغرب دلائل عن فشل الدعاية الصهيونية بالسنوات العشر الأخيرة بوصف المقاومة الفلسطينية او اللبنانية بالارهاب وبأن الاسلام يساوي الارهاب، وتخويف الغرب من الاسلام ومن المقاومة، فعندما يكون هناك تظاهرات وتصرفات متضامنة معنا ومع قضية فلسطين معنى ذلك ان القائمين على ذلك لم يتأثروا بالدعاية الصهيونية، كما أن هناك إعداداً لحوالي 30 إلى 40 سفينة من الآن الى مدة شهر لتنطلق الى غزة، وفيها راهبات ورجال دين مسيحيون ومفكرون ومثقفون واعلاميون ونخب ونقابيون، فالشيء الذي حصل بالسويد هو أمر ملفت، انما في المقابل من المعيب أن يبقى التطبيع الاقتصادي او السياسي بين دول عربية واسرائيل! فعندما يرى المواطن العربي أن عمال السويد يقاطعون السفن الاسرائيلية بينما موانىء بدول عربية تفرّغ سفناً اسرائيلية او تتبادل تطبيعاً اقتصادياً معيناً فهو أمر فعلاً معيب.
المطلب الشعبي القومي قبل ان نتحدث عن تحرير فلسطين، هو أن يتوقف كل أنواع التطبيع مع اسرائيل، وعلى الجامعة العربية إعادة احياء مكتب مقاطعة اسرائيل الذي كان يكلف اسرائيل خسائر هائلة، المفروض اعادة العمل بمكتب المقاطعة لأن الجامعة العربية أهملته وبدأ يخفت وينحل، إنه بحاجة الى احياء لاعادة الضغط على اسرائيل بحرب اقتصادية اذا كان النظام العربي غير راغب بحرب عسكرية على اسرائيل. ونشكر أهل السويد وكل المتضامنين معنا وكل أحرار الغرب الذين يؤيدون حقنا الوطني والانساني في فلسطين ويقفون بوجه العنصرية الصهيونية. |