الرئيسية || السيرة الذاتية || إتصل بنا
    0 شوال 1431 هـ - 8 أيلول / سبتمبر 2010 م 
"ان الفتنة بين المسلمين تعني تخريب العلاقات العائلية، تعني إنقسام سكان البناية الواحدة والحي الواحد، تعني إقفال وتعطيل مصادر الرزق والعمل. ان الفتنة بين المسلمين تعني تصدير الحالة الأميركية التفجيرية من العراق إلى لبنان، وتعني تدمير الكيان الوطني وحروباً أهلية متواصلة لن ينجو منها قصر أو كوخ."     
مجلة الموقف
العدد الجديد من مجلة الموقف
 دخول الأعضاء | الأعضاء الجدد مشترياتك | بياناتك | إنهاء الشراء 
إبحث  | 
<< الرجوع إلى القائمة السابقة
أرسل إلى صديق إطبع نحو انطلاقة متجددة للمشروع النهضوي الوحدوي العربي
تاريخ المقابله: 15/2/2010

 

نحو انطلاقة متجددة للمشروع النهضوي الوحدوي العربي

كمال شاتيلا 

أنتم تتحدثون بلغة خشبية، رجعيون لا علاقة لكم بالحداثة والتجدد، تتحدثون بالقومية العربية، في زمن تدعو فيه العولمة بطبيعتها، أن تكون عابرة للقوميات، فلا زلتم تتحدثون بالقومية العربية، وأنتم في العصر الأميركي، عصر الشركات المتعددة الجنسيات، والإقتصاد المفتوح، تحاولون بعث الخمسينيات والستينيات، وهذه المراحل ولّت إلى غير رجعة.

أين هي العروبة مما يجري الآن من ممارسات في فلسطين والعراق وغيرها؟

هذه الإتهامات والتوصيفات للمشروع القومي العربي، والحركة القومية العربية، ليست فقط محلية، بل هي من موجبات المدفعية التمهيدية، لتدمير الإنتماء القومي، والهوية العربية في المنطقة، لأنه بدون ذلك، لا يمكن أن ينجح مشروع الشرق الأوسط الكبير.

أنا ملتزم بالمشروع القومي العربي، وإن كان من موقع نقدي، هل المشروع القومي رسمه كاتب أو فرد أو فيلسوف، ليزول بموت واضعه؟

أولاً، أريد - من حيث التمهيد- ، أن أتساءل هل أن المشروع القومي العربي بدأ منذ الأربعينيات والخمسينيات؟ فاذا فشلت تجربة قومية، تكون قد فشلت العروبة نفسها؟ نحن كنا جميعاً كعرب، وخاصة في منطقة الحوض الحضاري (مصر، بلاد الشام، العراق)، كنا تحت ما نسميه الديموقراطية الاستعمارية، حيث نصّبت بريطانيا الحكام في العراق ومصر، ونصبّت فرنسا الحكام في لبنان وسوريا.

أقاموا واجهات ديموقراطية دستورية، وأسميها استعمارية، لأنها كانت تحت الاحتلال، ونحن نعلم من معيار ناصري، أن الحرية ليست فقط حرية مواطن، بل حرية وطن، فلا يستقيم نظام يقوم على حرية المواطن (سواء كان زائفاً أم أصيلاً) والوطن تحت الاحتلال.

وفي الوقت نفسه أقول إن من عثرات المشروع القومي، أنه غلّب حرية الوطن على حرية المواطن إلى حد ما، وانه ركز على الديمقراطية الاجتماعية أولاً. مع أننا في الميثاق التزمنا بحالة تكافؤ وتكامل بين حرية الوطن وحرية المواطن.

وهذه الديموقراطية الاستعمارية، التي يُراد إحياؤها اليوم تحت عنوان مشروع الشرق الأوسط الكبير، تجعلنا نتساءل إذا كان هذا النمط من الديمقراطية، قد حقق تنمية أو ازدهاراً أو تحريراً في المرحلة التي طبق فيها، أو كان مشروعاً زائفاً وفاشلاً؟

في ظلال الديمقراطية الاستعمارية، تم تقسيم المنطقة العربية الواحدة ذات الإنتماء لأمة واحدة. وأشهر عملية استعمارية تم رسمها وتنفيذها، هي معاهدة سايكس بيكو وسان ريمو وبعدها وعد بلفور، الذي أنشأ إسرائيل على أرض دولة فلسطين.

هذه أولى إنجازات الديمقراطية الاستعمارية، صهينة وتقسيماً.

ولنلقِ نظرة على التنمية والتخلف، هل أنتجت الديمقراطية البريطانية التي حكمت مصر، السد العالي؟ 1500 مصنعاً؟ 30.000 مدرسة وجامعة؟

حينما نستعرض نتائج التطبيق الاستعماري للديمقراطية في منطقتنا العربية خاصة في منطقة الحوض الحضاري، نجد أنه لا «تنمية ولا مشاريع نهضوية، بل تقسيم لأمة واحدة، وزرع للكيان الصهيوني، ما زلنا نعاني من آثاره حتى الآن، وهو قائم، ليحول دون الوحدة ما بين المغرب والمشرق العربي، وقائم ليستنزف الإمكانيات المتاحة لإقامة أي مشروع تنموي خاصة في مصر، حيث - وبسبب وجوده-  تحول الأموال إلى الإنفاق العسكري من أجل الدفاع عن النفس، والوقوف في مواجهة تمدد المشروع الصهيوني في المنطقة.

في مواجهة هذه الديمقراطية الاستعمارية، الفاشلة، بدأت إرهاصات في التفكير القومي العربي، فنشأت جمعيات فكرية تدعو للوحدة العربية في فلسطين، لبنان وسوريا ومصر ثم العراق، وظهر الكتّاب والأحزاب يدعون للوحدة العربية، رداً على التجزئة التي حصلت بفعل استعماري مباشر، لكن هذه الحركات كانت قاصرة وعاجزة، لأنها كانت حالة عاطفية أكثر منها حالة عقائدية وفكرية واضحة، بمعنى أنها لم تضع حلولاً فكرية لمعالجة مشاكل الوطن العربي ككل.

فكان طرف ما مثلاً يركز على التحرر من الإستعمار، من دون المناداة بالوحدة، وطرف آخر يركز على الوحدة من دون عدالة وهكذا..

لم يتبلور المشروع القومي بالصيغة الناصرية إلا بعد عام 1956 نتيجة الصمود الإسطوري للشعب والجيش المصري بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، لأول مرة في التاريخ الحديث بعد 100 سنة من الاحتلال البريطاني و400 سنة من الاحتواء التركي العثماني، شعرت الأمة لأول مرة أنه بالنهوض، يُمكننا أن نواجه وأن نصمد وننتصر.

1956 هي التي أطلقت شرارة القومية العربية في المنطقة، فاهتزت الأمة من المحيط إلى الخليج، والتي ما كانت لتهتز، لولا وجود القومية العربية التي قال عنها عبد الناصر إنها بدأت قبل جمال عبد الناصر، وستبقى بعد جمال عبد الناصر.

وبالفعل كان ذلك، فهو عبّر عن القومية العربية ولم يخترعها، وهنا أطرح سؤالاً أضعه في سياق جملة الأسئلة التي طرحتها في البداية.

إذا كانت القومية العربية عبارة عن حركات وأحزاب ونواد وجمعيات، فهذه الأطر انتكست، خاصة من بعد ممارسات أحزاب هنا وهناك، فهل نقول إن القومية العربية فشلت؟  أبداً فهناك تمييز بين القومية العربية، وبين أساليب العمل القومي، يجب أن ندرك مسألة هامة، هناك فرق بين الوجود القومي العربي، أو الوجود القومي للأمة، وبين العمل القومي العربي.

نقول انتكاسة أصابت حركات حزبية عربية، تطبيقات خاطئة سواء في مصر أم غيرها ممكن، إنما أن تربط العمل القومي العربي - فشلاً أو نجاحاً-  بوجود أو عدم وجود الأمة العربية، فهذه خطيئة أكثر منه خطأ، خاصة وأن إعلام العولمة اليوم، يركز على كل السلبيات الموجودة عندنا، فيدين العروبة من خلال التركيز على أخطاء نظم وأحزاب ترفع شعارات قومية. يوجد فرق بين الرابطة العربية الموجودة بين الشعوب العربية، وبين الأحزاب والنظم العربية، حيث لا علاقة لوجود هذا الشعور، وهذا الاتحاد بهذه الأطر «القومية».

الرابطة العربية هي عبارة عن قيم دينية روحية ووحدة مصالح، وحدة لغة، أرض جغرافية واحدة، تاريخ مشترك، عادات وتقاليد واحدة، فما علاقة هذه القيم بأخطاء حزب أو حركة أو نظام؟.

كيف يمكن أن يُحمّل الانتماء القومي أخطاء وخطايا تجارب سياسية محددة، تستطيع أن تقيس تصرفات أحزاب ونظم على ضوء الرابطة القومية العربية، لتحكم لها أو عليها؟ أما أن تحمّل الفكرة القومية العربية ممارسات هؤلاء، فهذا يُجافي  الحقيقة والمنطق.

يختلف الفرنسيون فيما بينهم وينقسمون إلى أحزاب وعقائد، ولكن لا أحد منهم يشتم أو ينفي وجود الأمة الفرنسية والإنتماء لفرنسا أو يشكك بالقومية الفرنسية ، الحالة القومية شيء، وممارسات الأنظمة والأحزاب شيء آخر.

يمكن أن أقول إن هذا الحزب، الذي يرفع شعاراً قومياً مثلاً أخطأ أو تفسخ، ويحمل هو مسؤولية ذلك، وليس القومية العربية.

لا يمكنني أن أدين منظومة الديموقراطية الغربية (مبدأ فصل السلطات، حرية التعبير إلخ..) لأن أمريكا دولة استعمارية، ترفع شعار الديمقراطية، بل يجب إدانة الإدارة الأمريكية على ذلك، وذلك لا يعني إدانة الديمقراطية الغربية كفكرة، لمجرد أن الولايات المتحدة الأميركية، تخالف بعض أسس الديمقراطية . مثل آخر، إذا قامت جماعات متطرفة في الجزائر بقتل الناس في المساجد، فلا يعني ذلك أن نتنكر للإسلام، فمن الذي قال إن هؤلاء  بمسلكهم المتطرف هذا-  يحتكرون الإسلام!؟ بل المفروض أن هذه المجموعة التي تطرفت وكفّرت الناس، وارتكبت الجرائم باسم الإسلام، أن تدان، وليس الإسلام هنا هو المسؤول عن تصرفاتهم، فيكف نبرىء الإسلام من خطايا المتطرفين، ونحمل القومية العربية والعروبة مسؤولية أخطاء نظم أو أحزاب ترفع شعارات قومية؟

المشروع القومي العربي، ما هو؟

يجب أن نحدد له معياراً، لنعرف أين كنا وأين نحن اليوم وإلى أين؟.

ببساطة شديدة، عندما نسأل :هل يوجد اليوم قومية عربية من ضمن الأسئلة التي طرحناها سابقاً، نحاول الإجابة، فنقول إن المنطلقات والغايات لحركة القومية العربية هي:

1 – الإيمان الديني هو البند الأول، لا طائفية، ولا إفراط أو تفريط ولا تطرف، إيمان ديني وفق جوهر الإسلام وثوابته.

هل نعيد اليوم النظر بحجة المتغيرات بالإيمان الديني؟! أبداً فالدين لكل الأزمنة حتى يوم الدين وحده مقدمة المشروع القومي العربي، هل يمكننا أن نغيّره؟

لا يمكننا ذلك ولا نريد. ونأخذ بعين الاعتبار أن «أحد الأطراف القومية، طرح في الأربعينيات موقفاً محايداً من الدين، وآخرون تأثروا بالفكر القومي الأوروبي، فطرحوا مواجهة مع الدين ثم إن «إسلاميين» طرحوا العداء للعروبة، على أساس أنها مدرسة علمانية بعيدة عن الدين، أحدهما تأثر بأممية إسلامية وافدة ،والآخر تأثر بفكر قومي خارج الإطار العربي.

2 – نقطة ثانية، الحرية، في المعنى الأول لها هي التحرير من الاستعمار، هل زال من عندنا الاستعمار؟ فما هي العولمة، بالصياغة الأميركية، والتدخل الأجنبي في البلاد العربية؟ محاولة فرض الوصاية الأجنبية على لبنان؟ تقسيم السودان تدريجياً؟ إحتلال أمريكا للعراق أليس ذلك استعماراً؟ إذن هدف التحرير -حاضراً ومستقبلاً-  يبقى هدفاً مركزياً لأحرار الأمة.

التحدي الإستعماري الذي نواجهه اليوم، سواء كان عبر الإحتلال المباشر أم عبر فرض وصايات أجنبية، أم عبر تدخلات البنك الدولي لمصادرة الثروة الوطنية، أم عبر التواجد الصهيوني نفسه على أرض فلسطين، فهذا واقع لم يتغيّر البتة ما بين مرحلة الخمسينيات حتى اليوم، فما دامت المشكلة قائمة، يبقى الحل واحداً أكبر إنجاز قام به المشروع القومي العربي، الذي يتحاملون عليه، ويحملونه سبب كل النكسات والمصائب، هو تحرير المنطقة العربية من الاستعمار الأوروبي، والذي لم يقم به أحد من الطائفيين، الذين يطرحون أنفسهم بدلاء للمشروع القومي العربي، أو أصحاب فكر الرأسمالية الوحشية الموجودين في أكثر من قطر عربي، ولم يقم به بعض الإسلاميين، الذين طرحوا أنفسهم  كبديل لمشروع جمال عبد الناصر، ولم يقم به الماركسيون، ففي معارك التحرر من الإستعمار، لم يكن لهؤلاء - مع احترامنا-  دور مميز في هذه المعارك.

إبتداءً بمعركة السويس عام 1956 مروراً بالجزائر إلى عدن في اليمن الجنوبي، تحرير المنطقة العربية من الاستعمار الأوروبي، هو إنجاز للمشروع القومي العربي بامتياز.

إذاً أهداف المشروع القومي العربي، ليست اختراع فرد أو من وضع مفكر، بل إن من يحدد أهداف المشروع القومي هي حاجات الأمة.

هل نحن بحاجة للحرية بمنطق التحرير من الاستعمار والوصاية الأجنبية، وأي قيد على الإرادة الوطنية، إذا سألنا هذا السؤال، نجد أننا بحاجة إلى ذلك.

3 – أما المعنى الآخر للحرية، وهو الديمقراطية، فنجد أنها تعني ديمقراطية اجتماعية + ديمقراطية سياسية في المشروع القومي العربي، والذي نجد فيه دعوة لحكم تحالف قوى الشعب العاملة، أي بدءاً من الرأسمالية الوطنية، مروراً بالمهنيين حتى العمال والفلاحين، هذا مضمون عبارة حكم الأغلبية.

وحكم الأغلبية لا يعني حكم الطبقة. سواء كانت رأسمالية أم بروليتارية. الذي يطرحون الديموقراطية، نسألهم ما معنى الديمقراطية التي تنادون بها؟

الجواب، هو ديمقراطية الطبقة، ولنأخذ مثلاً لبنان، يلزم الشخص نصف مليون دولار، ليترشح وينتخب نائباً عن الشعب، إذا من هم الذين يقدرون أن يترشحوا، لينتخبوا نواباً عن الشعب؟ فقط طبقة واحدة تستطيع ذلك.

أما الميثاق الناصري - بغض النظر عن مدى دقة التطبيق له في مصر- ، نجده كرّس حصصاً نيابية للعمال والفلاحين وباقي قطاعات الشعب، وذلك ليضمن تمثيل حكم الأغلبية.

لأن المشروع القومي قام ضد الديمقراطية الاستعمارية، التي فيها تسلط طبقة أقلية ديكتاتورية باسم الديمقراطية على معظم قوى الشعب. وطرح بدلاً من حكم الطبقة حكم الأغلبية.

إذاً الحرية بمعنى التحرير، ومعنى الديمقراطية بشقيها الاجتماعي والسياسي نحن بحاجة إليها اليوم وفي المستقبل، أما مشروعهم، فهو شبيه بما حصل للجمهوريات السوفياتية بعد انهياره، والتي تحولت إلى دول تطلق شعارات الديمقراطية السياسية، بدون ديمقراطية اجتماعية.

أنا لا أدعو بأن تطبق الديمقراطية الاجتماعية بمعزل عن الديمقراطية السياسية، بل أنا أقول بضرورة أن يسيرا معاً بشكل متوازٍ ومتكامل، مثل شعار حرية الوطن والمواطن.

ففي التجربة الناصرية كانت البداية هي الديمقراطية الاجتماعية لتحرير الانسان من الإقطاع والاستغلال، كمقدمة للحرية السياسية، لأن بقاء قيود الاستغلال، لن تجعل المواطن حراً في خياراته السياسية، بل تابعاً لقوى الإقطاع فاقداً للحرية.

أما عن التوقيت الذي كان يريد جمال عبد الناصر أن يطلق فيه التعددية السياسية، فيقول الأستاذ سامي شرف وأيضاً القائد العسكري محمد فوزي - رحمه الله - إنه كان يفكر بعد التحرير بإطلاق التعددية السياسية.

ولكن من وجهة نظري، كان ممكناً إفساح المجال لإنشاء الأحزاب ، في أواخر الستينيات، إلى جانب الاتحاد الإشتراكي العربي، مع أن الإتحاد الإشتراكي، لم يكن حزباً. ربما كان السبب هو الخوف من الإختراق الأمني المدعوم من الخارج للأحزاب، أما إذا ناقشنا فكرة حقوق الإنسان، ونظرنا إلى تجمعات حقوق الإنسان الصورية اليوم، والتي تسارع الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي لدعمها. لوجدنا أنهم يركزون على حق التعبير ويغلبونه على باقي الحقوق.

أما ما قدمته ثورة 23 يوليو في مجال حقوق الإنسان من تأمين حق السكن عبر تأمين المساكن الشعبية لمحدودي الدخل، وحق العمل الذي أمنوه للعمال من خلال بناء 1500 مصنع والضمانات الاجتماعية وحقوق التعليم المجاني، فإن الإستعمار لم يقدم لحقوق الإنسان العربي عامة والمصري خاصة قبل الثورة حقوقاً، وإنما صادر الإستعمار هذه الحقوق.

ماذا قدمت الديمقراطية الإستعمارية للتنمية؟

حقوق الإنسان بالمعنى الفعلي الاجتماعي، هي حق التعليم والسكن والعمل هذه أهم 3 حقوق للإنسان، تنص عليها شرعة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وهذا الشق أغلبه كان مطبقاً أيام الثورة.

وفي مواجهة الظلم والاستغلال، في الوطن العربي ككل وليس فقط مصر، فما هو الشعار المضاد له؟ العدالة، حيث أن إزالة ظلم الطبقة يلزمه عدالة، عدم وجود تعليم، يجابه بالعدالة لفتح المجال أمام الفقير وغيره ليتعلم.

العدالة اليوم حاجة، نحن نقول إن المشروع القومي تصدى للاستبداد بالعدالة، اليوم هل حلت مشكلة العدالة في الوطن العربي، بعد تراجع المشروع القومي العربي بشكل لم نعد فيه بحاجة لطرح هذا الشعار مثلاً؟

نحن اليوم، بحاجة أكثر للمطالبة بالعدالة، لأن الحالة الإقطاعية الرأسمالية التي كانت قبل ثورة 23 يوليو على مستوى الأمة العربية، بريئة اليوم، أمام وجود رأسماليي اليوم الوحشيين.

نجد الفساد متفشياً، والنهب بمئات الملايين، فبلد مثل لبنان لديه ديون تفوق الخمسين مليار دولار! إذاً المطلوب اليوم العدالة، سواء من ناحية فصل السلطات وتعزيز استقلال القضاء، أم بالمعنى  الاقتصادي والسياسي الشامل للديمقراطية، إذاً العدالة الآن حاجة.

حينما نقول عدم الانحياز، يردون أي عدم انحياز؟ انهار السوفيات ولم  يعد هناك توازن دولي، الجواب أن الإستقلال القومي، هو جوهر عدم الانحياز، وفي كل وقت نحن بحاجة إلى حرية قرار عربي، إلى استقلال عربي، إلى تحرر من الوصاية الأجنبية.

أما بالنسبة لتجربة القطاع العام المصري، فنجد أن نسبة النمو السنوية في مصر خلال أعوام حرب الإستنزاف مرتفعة، ووصلت إلى نسبة 6 بالمئة وفق تقديرات البنك الدولي عام 1972، أما تقديرات نسبة النمو عام 1999 أي بعد أن غابت الناصرية في مصر فكانت صفراً بالمئة.

الآن يجب أن لا ننسى، أنه ليس كل أسباب تعثر المشروع القومي العربي تعود للاستعمار، حيث يجب أن نعترف بوجود أخطاء ذاتية في المشروع من حيث التطبيق، ولكن أيضاً يوجد عوامل خارجية.

فيجب أن لا ننسى أن بجوارنا العد وإسرائيل ، والتي تقوم بحروب ضدنا كل 10 سنوات، فهي موضوعة أصلاً من أجل استنزاف الأمة، والحيلولة دون الوحدة...

الاستعمار لم يتركنا بحالنا أبداً طوال هذه المدة، وهذه الأمور لا يجب التقليل من أهميتها في مواجهة حركة ما زالت في  طور النمو، ولم يشتد عودها بعد.

الآن ماذا عن بدائل المشروع القومي العربي؟ دعوني أقول إن هناك أخطاء كبيرة في المشروع القومي العربي، والتجربة الناصرية في مصر، وبذلك سلمنا بوجود أخطاء.

وبالرغم من كل هذه الأخطاء، قلنا إن المشروع القومي الوحدوي حقق انتصاره على الإستعمار الأوروبي من المحيط إلى الجزائر وثورة المليون شهيد واليمن الجنوبي، وصنع أكبر قاعدة صناعية في المنطقة، وحقق حرب أكتوبر، ولا يجب أن ننسى ذلك.

صحيح أن الرئيس جمال عبد الناصر عاصر نكسة عام 1967، ولم يعاصر انتصار 1973، ولكن ألم يكن القطاع العام هو الذي يؤمن مستلزمات المعركة من مأكل وملبس وتسليح الجنود إلى حد ما؟

قامت حرب أكتوبر بدعم وتمويل وقيادة القطاع العام المصري، وعندما يتحدثون عن التجربة الناصرية، ينسبون لها عام 1967 وينسبون انتصار أكتوبر إلى غيرها!!

بالرغم من أن النظام المصري هو نفسه الذي انتكس عام 1967، وانتصر عام 1973، بالرغم من أن الزعيم جمال عبد الناصر توفي عام 1970، إلا أن فارق 3 سنين ما بين وفاته وانتصار أكتوبر، لا يسمح بأن يكون الحال خلالها قد انقلب، فالجيش هو نفسه قيادة وعديداً وعدة وتدريباً، والاقتصاد المصري وقدرته الإنتاجية هي نفسها، والشعب هو نفسه، فما الذي تغيّر، حتى ينسبوا النصر إلى غير الحقبة الناصرية؟!

إن النتاج الناصري أدى إلى انتصار أكتوبر، لذلك ليس صحيحاً من ينسب نكسة عام 67 لعبد الناصر ، وينسب انتصار 73 لغيره، فهذا النظام نفسه، هو النظام الناصري وقواعده الأساسية.

ما هي البدائل المتاحة؟

تحدثنا في بحر أخطاء التجربة الناصرية، فما هي البدائل الأخرى له الموجودة في المنطقة العربية؟ لماذا انتصر المشروع القومي العربي في الخمسينيات والستينيات على الإستعمار الأوروبي، هل ساهم في ذلك بعض الإسلاميين الطائفيين؟  أم كانوا ضد؟ هل ساهم فيها الرأسماليون الكبار أو أنصار الرأسمالية الوحشية اليوم؟ هل ساهمت فيها العصبية القطرية، التي لا تؤمن بالوحدة وقيمها؟ هل ساهم بهذه المعارك بعض الماركسيين المتشددين، أو اليساريين المغامرين؟

هذه المدارس مع احترامنا لخصوصية كل طرف فيها، ونحن نعرف أن هناك حواراً جدياً اليوم بين كل هذه التيارات والتيار القومي العربي، ونحن نؤيده سواء في الحوار القومي الإسلامي، أم الحوار القومي التقدمي، وهذا موضوع آخر، ولكنني أتكلم من ناحية فكرية بحتة.

إن بعضهم ساهم جزئياً في معارك تحررية، لكن عملياً كان السبق للمشروع الوحدوي العربي، الذي حقق هذه الانتصارات. من يطرح نفسه كبديل للمشروع القومي الوحدوي الناصري، من هم؟

دعونا نبدأ بالعصبية القطرية، دعاتها الذين لا يريدون أي عمل عربي مشترك، ولا أي تضامن عربي أو وحدة عربية، وأن هذه كلها – بنظرهم- أحلام، والذين يطلبون منا أن نكون واقعيين، فما هو الواقع الذي يقولون به؟

يريدون من كل قطر عربي أن يتقوقع على نفسه، في هذه الأيام لا يوجد حالة وحدوية في المنطقة العربية. فهل استطاعت الدول القطرية العربية بالانكفاء على الذات، أن تحقق التنمية الاقتصادية النوعية، قولوا لنا أين، هل استطاعت العصبية القطرية العربية أن تحمي استقلالها الوطني، من التدخل الأجنبي؟ هل استطاعت العصبية القطرية العربية أن تحرر المحتل من أرضنا العربية؟

لن أقول كل المدارس الإسلامية، ولكن إحداها استلمت الحكم في السودان، وقال السيد الترابي إن السودان سيكون قاعدة تحرير العالم الإسلامي والوحدة الإسلامية، إنتهت تجربتهم ببداية تقسيم السودان، هذه المدرسة الطائفية مثلما يصفها بعض المثقفين «الإسلامويين»، أدت إلى تحقيق خطر تقسيم السودان، بدلاً من مشروع الوحدة الإسلامية!

بعض الماركسيين المغامرين، زايدوا على عبد الناصر، حتى في حياته، واتهموه بأنه يمثل البرجوازية الصغيرة، وأنها طبقة متذبذبة بين العمال والبرجوازية الكبرى، وأنه يوجد لديه تردد طبقي، والحكم لا يصح إلا إذا كان حكماً بروليتارياً صافياً، هؤلاء استلموا الحكم في اليمن الجنوبي عشرين أو خمسة وعشرين عاماً، حتى أنهم أمموا القوارب الصغيرة لصيد الأسماك، وأقاموا نظاماً ماركسياً مثالياً-  بنظرهم- ، وعندما تصارع الماركسيون على السلطة، تصادم الحزب ببعضه، ووقع بينهم خلال عشرة أيام عشرة آلاف قتيل، وتمزقت اليمن الجنوبية أشلاء وقبائل.. وانهارت تجربتهم الماركسية انهياراً مروعاً، هذا هو النموذج الذي يقدمه بعض الماركسيين، و الذين يطرحون أنفسهم كبديل للمشروع القومي العربي.

ومن بعض النماذج الأخرى جماعة الفتن الطائفية والتطرف الديني؟ هؤلاء الذين يقتلون الناس وهي تصلي في المساجد في الجزائر، بحجة أنهم كفار، وحجتهم لتحليل قتلهم، هي أن هذا المواطن يدفع الضرائب للدولة الكافرة، وبالتالي يجوز قتلهم، هذه مدرسة من المدارس، التي طرحت نفسها كبديل للمشروع الوحدوي العربي المؤمن.

إذا عندما نرى المشهد اليوم، بأن البدائل للمشروع القومي العربي هي إما طائفية أو رأسمالية وحشية، أو عصبيات قطرية وبعضها يدعو الى تدويل القضايا العربية، عبر استقدام التدخل الأجنبي والاستعمار. إن هذه البدائل - أمامك-  لا تعد بالخير، وليست أفضل - بطبيعة الحال-  من المشروع القومي العربي. في هذه الحالة نتساءل سؤالاً أخيراً، بالرغم من أهمية المشروع القومي الناصري، ولكن ألا يلزمه تعديلات، وتنقية من الشوائب والأخطاء؟

نجيب أنه يلزمه تعديلات. فمثلاً تجربة وحدة عام 1958، في الشق القومي الوحدوي للمشروع، حصلت وحدة اندماجية بين مصر وسوريا، لم تعش طويلاً، لا يعني ذلك أن فكرة الوحدة العربية غير ممكنة، بل إن الشكل الدستوري الاندماجي لم ينجح، فما الذي يمكن طرحه كبديل دستوري؟. بنظرنا، نطرح تكامل الوطنيات، أي نستبعد من المشروع القومي مثلاً الاندماجية، ونرفض فكرة الضم القسري الخاصة ببعض الاتجاهات الحزبية، ونقول إن الوحدة لا تتم إلا بالديمقراطية، ونقوم بتجديد المشروع القومي العربي، على أساس تكامل الوطنيات، بمعنى أن نعطي الأقطار الصغيرة الاطمئنان تجاه نوايا الأقطار الكبيرة، حتى لا ينعكس خوف الأقطار الصغيرة من الأقطار الكبيرة، عقدة، من المشروع القومي. عقدة الصغير إزاء الكبير، ونقيم صيغة، يكون فيها اتخاذ القرار القومي بشكل متساوٍ بين الأقطار العربية، نقول إن مضمون المشروع الوحدوي العربي، هو ديمقراطية وتعددية، وليس صيغة حكم الحزب الواحد، نفسح في المجال للحريات والتعددية السياسية، وديمقراطية تقوم على الاختيار بين حرية الاعتقاد الديني، والمساواة في المواطنية، وحرية التعبير وفي الوقت نفسه، نركز على فكرة التنظيم القومي العربي، ولكن لا نمنع غيره من العمل بشرط عدم التمويل من الأجنبي. أما اليوم، فنجد أن كثيراً من التجمعات والأطر، تحظى بدعم مالي أجنبي. فالأجنبي لا يريد حريتنا، ولا يريد وحدتنا، ولا يريد استغلالنا.

أمامنا اليوم تحدي نزع الهوية العربية عن المنطقة، واستبدالها بهويات عصبية وطائفية وإثنية وعرقية، وبالتالي المطلوب منك تربوياً، سياسياً، صحفياً، وإعلامياً، التمسك بالهوية العربية، لأنها أساس وجودنا وأساس انتمائنا.

الوحدة الوطنية مطلوب استعمارياً تفكيكها في مصر، عبر خلق صراع إسلامي – مسيحي، كما يريدون في لبنان نزاعاً سنياً – شيعياً وصراعاً إسلامياً – مسيحياً، كل المنطقة العربية اليوم مستهدفة بوحدة أقطارها، ويوجد سبع دول عربية موضوعة اليوم على طاولة التقسيم الاستعماري.

فأنا إذا كنت وحدوياً عربياً، فعليّ أن أبدأ بحماية وحدتي الوطنية، وكأنها قدس الأقداس، لأنها إذا تزعزعت خاصة في مصر- أم العرب جميعاً والعامود الفقري للأمة العربية كلها-، لأن في ذلك كارثة، لا تعادلها كارثة في الأمة، حيث أن المشكلة لا تمس أي قطر عربي، مهما كانت يمكن استدراكها واحتواؤها، طالما كانت مصر سليمة، أما إذا حصل عبث في الوحدة الوطنية المصرية -لا سمح الله-  فانها كارثة قومية رهيبة، وإذا كانت المعارضة الشعبية مشروعة للأحلام ضمن وحدة الكيان الوطني، فإن المعارضة التقسيمية غير شرعية، لأنها تمس بأساس التعددية الوطنية.

إذاً أنا أطالب بوحدة عربية تكاملية، وليس وحدة اندماجية، أو وحدة يقودها حزب واحد.

فإذا سألنا عن سبب فقدان فكرة الوحدة العربية جاذبيتها الجماهيرية، فنجد أن السبب هو الأسلوب وليس الفكرة، بعض المدارس القومية، قالت إن الوحدة لا تتم الا بمضمون ماركسي، وبذلك يضعون المواطن في موقع محرج، فهو يريد الوحدة، ولكنه لا يريد أن يكون ملحداً، هذا هو أحد أسباب النفور من فكرة الوحدة العربية.

وآخر يقول للمواطن إن الوحدة لا تكون إلا بقيادة حزب واحد، فتجد الناس مع الوحدة ومع الحرية، وترفض حكم الحزب الواحد، أو يقولون لا تكون إلا وحدة اندماجية، فيكون المواطن مع الوحدة، لكنه ليس مع تذويب وطنه بل مع تكامل وطنه مع الآخرين، لذلك عندما نحرر المشروع القومي الوحدوي من هذه الالتصاقات، حينها لن تجد من يرفض الوحدة العربية في المنطقة، لأن الوحدة العربية في عمق الوجدان العربي، هي الحل لمشاكلنا الدفاعية والاقتصادية والاجتماعية. أنت لو أنشأت أهم نظام اقتصادي في مصر، وقضيت على الفساد، إلا أن مواردك لا تكفي احتياجاتك، نحن في لبنان بلد لا يملك موارد طبيعية أو نفطية، فكيف له أن يؤمن احتياجاته؟ حتى الخليج، لديه الكثير من الموارد النفطية، إلا أنه لا يستطيع أن يؤمن القوة الدفاعية والأمن الذي يحمي ثروته.

لا يوجد قطر عربي يقدر أن يعالج مشاكله منفرداً، فالدولة التي تملك الأمن تنقصها الموارد الاقتصادية كمصر مثلاً، حتى لو تم إصلاح اقتصادي، إلا أن حجم الإمكانيات الموجودة، لا تسمح بالكفاية بدون تكامل اقتصادي عربي. إذاً بدون التكامل العربي الاقتصادي، لا يوجد نهوض وتنمية شاملة.

ولقد قال الرئيس جمال عبد الناصر كلمة جميلة جداً مفادها: «أن التقدم العربي لا يقوم على التجزية» وهذا أمر صحيح، حيث لا يمكن تحقيق أي تقدم، بدون وحدة أو تضامن، وأنا أقول لنبدأ باطلاق تيار ينادي بالتضامن العربي على مستوى أقطار الأمة العربية، بتطوير ميثاق جامعة الدول العربية من نظام الإجماع إلى نظام الأكثرية، في اتخاذ القرارات، حيث يجب نقل الجامعة من حالة الجمود التلقائي إلى حالة فدرالية اتحادية، ويجب إنشاء مجلس أمن قومي عربي، يشخص التحديات على الأمة، ويضع لها التصورات للتعامل معها.

يجب تفعيل مشروع التكامل الاقتصادي العربي.

هذه المشاريع نحن كشعوب يجب أن نضغط فيها على الحكم، وقد ظننا أن هذه القضايا ستعالج في قمة الجزائر السابقة، وأرسلنا المذكرات، ولكن  - للأسف-  بعض الدول العربية عطلت هذا المشروع القومي.

وهناك قضايا تطال الأمن القومي، فما الداعي باستمرار السماح لدويلة صغيرة، أو أخرى مطبعة مع الكيان الصهيوني، بعرقلة العمل العربي المشترك؟! هذا وضع خطير إذا بقي كما هو عليه.

من هنا يوجد مسؤولية كبيرة على مصر وسوريا والسعودية، لأن هذه الدول تاريخياً أسقطوا مشاريع الأحلاف الاستعمارية في الخمسينيات مثل حلف بغداد وحلف السنتو وخاضوا معاً حرب أكتوبر الناجحة عام 1973.

وهم موجودون في إطار جامعة الدول العربية، وهم مؤهلون أكثر من غيرهم لحمل راية هذا المشروع، وإن لم يحملوه، يكونوا متخلين عن دورهم، ويكونوا راضين بما يحدث، لأن هذه القضية مسؤولية قومية، لا يمكن التخلي عنها، خاصة في ظل التحديات والمخاطر، التي تشهدها الأمة اليوم.

في النهاية بالنسبة للشباب، يقول نعوم تشومسكي، وهو مفكر يهودي تقدمي، علماً أن تعودنا على عدم قبول أي كلام يقوله واحد منهم، إلا أنه موقف مبدأي للإستعمار والصهيونية يقول نعوم شومسكي: «إنه لا ديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية، بل يوجد أجهزة إعلام جبارة، تقوم بغسل دماغ جماهير الأمة الأميركية لمصلحة النظام»، وبالفعل هذا ما يحدث، فإذا نظرنا إلى عملية التجنيد للحرب على العراق، وقبلها فيتنام، نجد أن إعلامهم يقوم بغسل دماغ الشعب الأمريكي، أما نحن في المنطقة العربية، فنعيش تحت تأثير الفضائيات العربية المتأمركة بنسبة 90 بالمئة، فمن يتابع الفضائيات العربية، يجد أن الموسيقى والرقص والغناء الأقرب منه للإستعراض الجنسي من الغناء، وهذا ما نسميه ثقافة الواوا، فنلاحظ بالنسبة للشباب هناك إسراف بالتركيز على الرياضة في المنطقة العربية من  قبل جيل الشباب ونحن لا نقصد بالرياضة العادية بل رياضة الهوس.

كما نجد الفن الهابط، وعمليات نشر الثقافة الفردية الأنانية، حينما يأتي أحدهم يخبرك بمرض جارك، تقول له أتركني بحالي، فأنا لا أملك الوقت لزيارته.

ثقافة أنانية تريد أن تفكك العلاقة بين الفرد وعائلته ومجتمعه كله، بحجة التحرر من مفهوم السلطة الأممية، ليخلصوا إلى التحرر من القيم الدينية والعربية الاصيلة..

الآن في لبنان هناك مشروع قانون إباحة الشواذ، وهنا في مصر يقوم الإتحاد الأوروبي والأمريكان، بالضغط من أجل إطلاق سراح عبدة الشيطان، ومن أجل منع محاكمة شاذين، لأن العولمة الأميركية من ضمن تركيزها الأساسي، أن تفرغ الشباب العربي من المضمون الحضاري، وبالتالي جعله بائساً تابعاً لغرائزه ومطلّقاً لعقله.

 هذه الوسائل تجعل من الشاب غير مهتم لا بقضية أمة، ولا حتى بهم عائلي. لذلك أخواني الأعزاء لا قضية فلسطين تحل بأسلوب قطري مثل ما جربت العديد من المدارس الفلسطينية تحت حجة أن الصراع فلسطيني – إسرائيلي!!! ومن قال إن الصراع فلسطيني إسرائيلي؟! فإسرائيل لم تقف يوماً عند حدود فلسطين، بل تستهدف كل الأمة، وإلا لماذا تريد ضم الجولان، إذا كانت تريد فقط فلسطين؟ نحن في لبنان - وبالرغم من أننا مدركون تعاسة النظم العربية- ، ولكننا نعلم أن الذي ينقذنا من الوضع الذي نمر فيه، هو مبادرة عربية.

مررنا في لبنان بصراع أمريكي روسي، ثم إجتياح صهيوني وصل إلى بيروت.. من أنقذنا من تلك الأوضاع؟ غير الحل العربي عام 1989، فكان اتفاق الطائف، بالرغم من كل تقصير النظم.

 لذلك نلاحظ أنه لا يوجد قطر عربي عنده مشكلة، لا يمكن معالجتها إلا عربياً، حيث لا يمكن لأي قطر أن يحل مشكلة تتعلق بالتدخل الأجنبي في شؤونه، أو استعمار، أمن قومي، إقتصاد، عدل إجتماعي، بدون تضامن عربي أو تكامل عربي، كل التجارب تؤكد ذلك، كم مضى على التجزئة في المنطقة العربية، مئة عام؟

فماذا أعطتنا إلا الفشل والتخلف؟! لنجرب الوحدة العربية اليوم، ونتمسك بها، ولا يوجد أي أمة حية من دون مشروع، خذوا ألمانيا مثلاً في القرن التاسع عشر كمثل، صحيح كان عندهم بعض الأفكار، لها بعد عنصري أو نازي، ولكن كانت الأمة مقسمة، فظهر مفكرون وقادة، نادوا بالوحدة الألمانية، حتى تحققت ثم صار عندهم حلم بالسيطرة على كل أوروبا، فتحطم المشروع، وقسمت ألمانيا إلى قسمين ودمروها.

تغير شكل النظام من فاشي إلى ديمقراطي، وبقي المشروع القومي الألماني، وقويت ألمانيا اقتصاديا،ً لتنتقم مما لحقها سياسياً وعسكرياً، وتعملقت ألمانيا بعد أن استردت وحدتها القومية، وها هي اليوم مع فرنسا تقودان الاتحاد الأوروبي.

بقي المشروع، ونحن جربنا الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا، وانفرطت عام 1961، فهل نترك الوحدة أو نغير الأسلوب؟ نغير الأسلوب طبعاً، بدلاً من أن تكون اندماجية تكون تكاملية، ولكن لا نكفر بوحدة الأمة أصلاً فمشاريع الأمم، لا تقاس بأعمار الأفراد. نغيّر الأساليب، ونبقى مع الهدف!!!.

مشاريع الأمم تكون كما يروي المثل الصيني، عن رجل وزوجته ، حيث يبلغان من العمر 90 عاماً ، فمر رجل بهما ، ووجدهما يحفران الجبل القريب من أرضهما، فسألهما ماذا تفعلان؟ قال الرجل إننا نريد أن نزيل هذا الجبل لنسوّيه سهلاً، فسأله الرجل: من أجل ماذا؟ فأجاب العجوز، حتى يزرع أحفادي السهل فيما بعد، لأن الجبل لا يزرع...ومع أن عمريهما يقتربان من التسعين عاماً، فهما  يضربان الجبل بالرفش، ليسويا الأرض بهذا الصبر والإصرار العجيبين من أجل المشروع، وإذا لم يكن الأسلوب ملائماً، تغير الأسلوب، ولكن لا تترك أو تغير الفكرة أو الانتماء!.  وليس عند أول نكسة تغير الهدف وتكفر بالقضية، فالمؤمنون بالمشروع القومي الوحدوي العربي، يوقنون تماماً أن فيه الإنقاذ للأمة، والعدالة وتعزيزاً للشخصية العربية، وفيه الدفاع عن الهوية العربية، وتحقيق للأمن القومي والدور والمكانة للأمة بين الأمم.

على كل واحد منّا أن يضيء شمعة واحدة، بدلاً من أن يلعن الظلام فقط، علينا أن نقوم بأي شيء، يفيد فكرة الوحدة العربية، ولكن لا أن نجلس مع القانتين والمتشائمين واليائسين، لأن هذه الأوضاع مطلوبة أميركياً، حتى لا يكون عندنا إيمان، ويهدف لنصير أجساداً محنطة، ليأتي الاستعمار، وليطبق فينا مخططاته، ويشرّحنا كما يري، سواء عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير أم سواه.

ولكن بإذن الله كما نشهد مقاومة عربية ضد الصهينونية والاستعمار في ظل الانحطاط العام، نشهد عروبيين في مصر وسوريا ولبنان، وإن كان الإعلام لا يسلّط عليهم الاضواء، لأن الإعلام العربي متأمرك، ولكنهم موجودون. والمعارضة العربية واسعة ضد مشروع الأوسط الكبير.

والمطلوب اليوم تأسيس النوادي والجمعيات القومية، وأن لا نيأس على الإطلاق من إمكانية تحقيق الوحدة العربية، وإحياء المشروع القومي العربي الوحدوي، بصيغة تصحيحية عن السابق، وتكون جذابة للجماهير من جديد.

 الإصدارات | الدراسات | البيانات | المقابلات | الخطابات | المؤسسات | معرض الصور
جميع الحقوق محفوظة  آ© كمال شاتيلا 2009 الصفحة الرئيسية | السيرة الذاتية | إتصل بنا